ابن كثير

130

البداية والنهاية

للدماء ، فأراق الخمور وأحرق الحشيشة وأمسك الشطار ، واستقامت به أحوال القاهرة ومصر ، وكان هذا الرجل ملازما لابن تيمية مدة مقامه بمصر . وفي رمضان قدم إلى مصر الشيخ نجم الدين عبد الرحيم بن الشحام الموصلي من بلاد السلطان أزبك . وعنده فنون من علم الطب وغيره ، ومعه كتاب بالوصية به فأعطي تدريس الظاهرية البرانية نزل له عنها جمال الدين بن القلانسي ، فباشرها في مستهل ذي الحجة ، ثم درس بالجاروضية ( 1 ) . ثم خرج الركب في تاسع شوال وأميره كوكنجبار المحمدي ، وقاضيه شهاب الدين الظاهري . وممن خرج إلى الحج برهان الدين الفزاري ، وشهاب الدين قرطاي الناصري نائب طرابلس ، وصاروحا وشهرى وغيرهم . وفي نصف شوال زاد السلطان في عدة الفقهاء بمدرسته الناصرية ، كان فيها من كل مذهب ثلاثون ثلاثون ، فزادهم إلى أربعة وخمسين من كل مذهب ، وزادهم في الجوامك أيضا . وفي الثالث والعشرين منه وجد كريم الدين الكبير وكيل السلطان قد شنق نفسه داخل خزانة له قد أغلقها عليه من داخل : ربط حلقه في حبل وكان تحت رجليه قفص فدفع القفص برجليه فمات في مدينة أسوان ، وستأتي ترجمته . وفي سابع عشر ذي القعدة زينت دمشق بسبب عافية السلطان من مرض كان قد أشفى منه على الموت ، وفي ذي القعدة درس جمال الدين بن القلانسي بالظاهرية الجوانية عوضا عن ابن الزملكاني ، سافر على قضاء حلب ، وحضر عنده القاضي القزويني ، وجاء كتاب صادق من بغداد إلى المولى شمس بن حسان يذكر فيه أن الأمير جوبان أعطى الأمير محمد حسيناه قدحا فيه خمر ليشربه ، فامتنع من ذلك أشد الامتناع ، فألح عليه وأقسم فأبى أشد الاباء ، فقال له إن لم تشربها وإلا كلفتك أن تحمل ثلاثين تومانا ، فقال : نعم أحمل ولا أشربها ، فكتب عليه حجة بذلك ، وخرج من عنده إلى أمير آخر يقال له : بكتي ، فاستقرض منه ذلك المال ثلاثين تومانا فأبى أن يقرضه إلا بربح عشرة توأمين ، فاتفقا على ذلك ، فبعث بكتي إلى جوبان يقول له : المال الذي طلبته من حسيناه عندي فإن رسمت حملته إلى الخزانة الشريفة ، وإن رسمت تفرقه على الجيش . فأرسل جوبان إلى محمد حسيناه فأحضره عنده فقال له : تزن أربعين تومانا ولا تشرب قدحا من خمر ؟ قال : نعم ، فأعجبه ذلك منه ومزق الحجة المكتوبة عليه ، وحظي عنده وحكمه في أموره كلها ، وولاه ولايات كتابه ، وحصل لجوبان إقلاع ورجوع عن كثير مما كان يتعاطاه ، رحم الله حسيناه . وفي هذه السنة كانت فتنة بأصبهان قتل بسببها ألوف من أهلها ، واستمرت الحرب بينهم شهورا . وفيها كان غلاء مفرط بدمشق ، بلغت الغرارة مائتين وعشرين ، وقلت الأقوات . ولولا أن الله أقام الناس من يحمل لهم الغلة من مصر لاشتد الغلاء وزاد أضعاف ذلك ، فكان مات أكثر

--> ( 1 ) تقدم أنها المدرسة الجاروخية نسبة إلى جاروخ التركي .